يرى الكاتب مصطفى الخضري أن الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط يعيش معضلة تشبه معضلة الأسطورة الروماني «يانوس»، الذي كان له وجهان؛ يتطلع أحدهما إلى المستقبل بينما يظل الآخر مشدودًا إلى الماضي.
وبينما تتحدث واشنطن منذ سنوات عن تقليص وجودها العسكري والسياسي في الشرق الأوسط، تدفعها مصالحها الاستراتيجية وتحالفاتها الأمنية ومخاوفها من صعود قوى منافسة إلى الاستمرار في المنطقة. ويطرح هذا التناقض سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع الولايات المتحدة فعلًا مغادرة الشرق الأوسط، أم أن عقودًا من التدخلات والالتزامات جعلت الانسحاب أكثر صعوبة من البقاء؟
ويبحث نون بوست في هذا تقرير الخضري، الذي يختتم ملفًا موسعًا حول الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، جذور هذه المعضلة منذ اللحظة التي أصبحت فيها الولايات المتحدة القوة العالمية المهيمنة بعد انتهاء الحرب الباردة. ويستند التقرير إلى تحليلات عدد من الباحثين والمفكرين الأمريكيين والغربيين، ليتتبع كيف قادت الهيمنة الأمريكية واشنطن إلى سلسلة من الحروب والتدخلات، ثم جعلتها نتائج تلك التدخلات أكثر ارتباطًا بالمنطقة بدلًا من الابتعاد عنها. ويستشهد الكاتب بعبارة للروائي رومان غاري مفادها أن الأمريكيين يجدون صعوبة في تقبل وجود مشكلة بلا حل، وأن عجز القوة الأمريكية عن فرض الحلول قد يتحول إلى أحد أخطر مصادر القلق في العالم.
صعود الولايات المتحدة وظهور فراغ القوة
مع بداية تسعينيات القرن الماضي، بدا النظام الدولي وكأنه دخل عصرًا أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة. وانتشرت آنذاك أطروحات تتحدث عن «نهاية التاريخ»، بينما رأى المفكر فرانسيس فوكوياما أن صعود النموذج الأمريكي يمثل ذروة المسار السياسي الذي وصلت إليه البشرية.
وطرح تشارلز كراوثامر رؤية مشابهة في مقاله الشهير «اللحظة الأحادية»، معتبرًا أن النظام العالمي بعد الحرب الباردة أصبح قائمًا حول قطب واحد يتمثل في الولايات المتحدة، التي تمتلك قدرات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية وسياسية لا تضاهيها دولة أخرى، وتستطيع بفضلها التأثير في الصراعات أينما قررت التدخل.
وقد شكلت حرب تحرير الكويت وأزمة الخليج الاختبار الأول لهذه القوة الجديدة. واعتبر كراوثامر أن نجاح واشنطن في تلك الحرب عزز مكانتها ورسخ الاعتقاد بقدرتها على إدارة النظام الدولي.
أما الشرق الأوسط، فقد بدا في المقابل منطقة تعاني فراغًا في القوة. ويشير المفكر جورج قرم إلى أن أزمات المنطقة ارتبطت بعجز مجتمعاتها عن تحقيق انتقال حقيقي نحو الحداثة العسكرية، رغم الانقلابات والصراعات والتحولات السياسية المتلاحقة. وأدى ذلك إلى نشوء بيئة افتقرت إلى التماسك السياسي والاجتماعي والمؤسسي، وإلى هويات مستقرة تحظى بالاعتراف.
ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، اختفت إحدى القوى الكبرى التي كانت تحد من الحركة الأمريكية في الشرق الأوسط. واستغلت واشنطن هذا الفراغ لتوسيع تدخلاتها، وصولًا إلى غزو العراق واحتلال بغداد في 2003.
لكن الهيمنة غير المقيدة حملت في داخلها عوامل إضعافها. فالدولة التي لا تواجه منافسًا قادرًا على كبح نفوذها قد تنجرف إلى التوسع المفرط، وتستنزف مواردها، وتثير مقاومة من جانب القوى التي تتضرر من سياساتها.
ويرى الباحث جيلبرت الأشقر أن الولايات المتحدة أخطأت في تقدير حجم مشاعر العداء للإمبريالية في المنطقة. فمع انهيار الشيوعية وتراجع القومية العربية، اختفت قنوات سياسية كانت تستوعب جانبًا من هذا الغضب، لكنه لم يختفِ، بل وجد طريقًا جديدًا عبر التيارات الجهادية السلفية.
وهكذا ساعدت السياسات الأمريكية في إنتاج بيئة جديدة للمواجهة، لتجد واشنطن نفسها بعد هجمات 11 سبتمبر في قلب ما عُرف لاحقًا بـ«الحرب على الإرهاب».
من الحرب على الإرهاب إلى التحول الأمريكي نحو آسيا
أنتج عالم ما بعد 11 سبتمبر حافزًا مشوهًا دفع القوة العظمى إلى محاولة إعادة تشكيل الوضع القائم في الشرق الأوسط. ويشرح الباحث في شؤون المنطقة جريجوري جاوس الثالث أن غياب منافس عالمي محتمل في الشرق الأوسط شجع الولايات المتحدة على التصرف كقوة تسعى إلى تغيير الواقع بدلًا من الاكتفاء بإدارته.
ويوضح ذلك أسباب الحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان، والتدخل في ليبيا، ودعم واشنطن تحولات سياسية مختلفة خلال أحداث الربيع العربي.
لكن الاحتلالين الأمريكيين في أفغانستان والعراق كشفا حدود التفوق العسكري الأمريكي. فقد استطاعت القوات الأمريكية حسم المعارك الكبرى بسرعة، لكنها عجزت عن بناء نظام سياسي مستقر، ما كشف الفجوة بين القوة العسكرية الهائلة والنتائج السياسية المحدودة.
ويربط زاكاري لوكمان هذه الإخفاقات بما يسميه «غرور القوة». فحين تسيطر دولة قوية على خصومها، قد تفقد قدرتها على رؤية الواقع بصورة دقيقة، وتبدأ في التقليل من قدرات خصومها وإصرارهم على المقاومة. وظهرت هذه المشكلة في فيتنام، ثم تكررت في أفغانستان والعراق، ويعتقد الكاتب أن آثارها تظهر حاليًا في إيران.
وأدى ذلك إلى تناقض متزايد بين أهداف السياسة الأمريكية ونتائجها الفعلية. فواشنطن استثمرت لعقود في بناء خبرة متخصصة في شؤون الشرق الأوسط، لكنها وجدت أن تدخلاتها غالبًا ما أنتجت نتائج مخالفة لما أعلنت أنها تسعى إليه.
ثم جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتضعف الثقة في التفوق الاقتصادي والمالي الأمريكي، بالتزامن مع صعود الصين وقوى دولية أخرى. وفي الوقت الذي استنزفت فيه واشنطن مواردها في حروب الشرق الأوسط، بدأت بكين في توسيع نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي.
وأعاد ذلك طرح السؤال الأساسي: هل تبقى الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لأنها تريد ذلك، أم لأنها لم تعد قادرة على المغادرة؟
وعندما وصل باراك أوباما إلى البيت الأبيض، حاول الإجابة عن السؤال عبر تقليص الحضور الأمريكي في المنطقة. فقد شكك في القيمة الاستراتيجية لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي، خصوصًا مع انخفاض اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط وارتفاع تكلفة الهيمنة.
وفي أواخر 2011، أطلقت إدارته استراتيجية «التحول أو إعادة التوازن نحو آسيا»، بهدف نقل جزء من الموارد العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية الأمريكية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
لكن الربيع العربي سرعان ما أفسد الحسابات الأمريكية. وبينما كان أوباما يروج لتحول بلاده نحو آسيا، اندلعت الحرب في سوريا، وتعقدت الأوضاع في مصر، وتعثرت عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وتصاعدت المخاطر الإقليمية.
ووصف الباحث جون فيفر هذه الاستراتيجية ساخرًا بأنها «تحول نصف مكتمل»، إذ لم تسمح أحداث الشرق الأوسط لواشنطن بإكمال انسحابها.
ثم جاء صعود تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» ليعيد الإدارة الأمريكية بقوة إلى المنطقة، ويقضي عمليًا على الزخم المتبقي للتحول نحو آسيا.
لماذا يصعب على واشنطن مغادرة الشرق الأوسط؟
يقدم مفهوم «فجوة ليبمان» تفسيرًا مهمًا لهذه المعضلة. ويشير المفهوم، المستند إلى أفكار والتر ليبمان، إلى الفجوة التي تنشأ عندما تتجاوز التزامات الدولة قدراتها على الوفاء بها. وعندما تتسع هذه الفجوة، تصبح السياسة الخارجية عرضة للأزمات.
وقد اتسعت الفجوة بين الالتزامات الأمريكية في آسيا والموارد المتاحة لتنفيذها، بينما ظل الشرق الأوسط يستهلك قدرًا كبيرًا من الاهتمام السياسي والعسكري الأمريكي.
وبحلول أبريل 2026، اضطر الرئيس دونالد ترامب إلى تأجيل زيارته المرتقبة إلى الصين بسبب تداعيات الحرب مع إيران، ما أثار مخاوف من أن واشنطن تعيد تكرار المشكلة نفسها: التضحية بالتركيز على آسيا بسبب أزمة جديدة في الشرق الأوسط.
ولخص الباحث روبرت كاجان هذه المعضلة بعبارة شديدة الدلالة: «يمكننا التحول، لكننا لا نستطيع المغادرة».
ولا يقتصر الأمر على المصالح الأمريكية، إذ ترتبط صعوبة الانسحاب أيضًا بحسابات حلفاء واشنطن في الخليج. فقد بدأت دول الخليج بعد هجوم أرامكو عام 2019 والانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021 في البحث عن قنوات جديدة للأمن والوساطة.
وجاء التقارب السعودي الصيني في هذا السياق، وأفضت الوساطة الصينية عام 2023 إلى استعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران. لكن هذه الخطوات لا تعني بالضرورة رغبة الخليج في استبدال الولايات المتحدة بالصين، بقدر ما تعكس استراتيجية تحوط تهدف إلى تنويع الشراكات وزيادة أوراق الضغط.
ويشير باحثون في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن العلاقات الخليجية مع بكين وموسكو والمناورات العسكرية المشتركة مع روسيا والصين يمكن فهمها باعتبارها رسائل إلى واشنطن أكثر من كونها إعلانًا عن تحول استراتيجي كامل.
وتكشف الحرب في اليمن جانبًا آخر من هذه المعضلة. فرغم تشكيل ترتيبات إقليمية جديدة، لا تزال السعودية بحاجة إلى القوة العسكرية الأمريكية في مواجهة الحوثيين، ما يعيد الرياض إلى طلب التدخل الأمريكي كلما شعرت بأن مصالحها الأمنية مهددة.
ولا تستطيع الصين وروسيا، وفق بعض الباحثين، تقديم مظلة أمنية مماثلة لتلك التي توفرها البحرية الأمريكية في الخليج. وتفتقر الصين خصوصًا إلى القدرات البحرية والإرادة السياسية اللازمتين لتولي إدارة أمن المنطقة بصورة شاملة.
ولهذا تسعى السعودية إلى الحصول على التزام أمريكي أكبر عبر معاهدة دفاع مشترك، وصفقات أسلحة متقدمة ودعم برنامج نووي مدني. والمفارقة أن بحث الحلفاء عن بدائل للولايات المتحدة قد يؤدي في النهاية إلى المطالبة بمزيد من الضمانات الأمريكية، وبالتالي تعميق الاعتماد على واشنطن بدلًا من تقليله.
وتتضح المفارقة أكثر في تصريحات توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق، الذي قال في أغسطس إن جميع الأنبياء أُرسلوا إلى الشرق الأوسط، وإن عجز الله والأنبياء عن حل مشكلات المنطقة يجعل فرص الولايات المتحدة في حلها خلال فترة قصيرة ضئيلة.
وتعكس هذه التصريحات تصورًا أمريكيًا يرى أن الشرق الأوسط منطقة لا تستطيع واشنطن تجاهلها، حتى عندما تعجز عن حل أزماتها.
ويرى الباحث هال براندز أن الولايات المتحدة «لا تستطيع ولا ينبغي لها» أن تترك الشرق الأوسط، بينما يعكس الجزء الأول من العبارة مأساة تورط واشنطن في منطقة كلفتها الكثير، ويعكس الجزء الثاني اعتقادًا لدى قطاع من النخبة الأمريكية بأن الحفاظ على موقع القوة العظمى يتطلب استمرار الوجود هناك.
ويصف المؤرخ العسكري أندرو باسيفيتش المفارقة بصورة أخرى، مشيرًا إلى أن عدد القتلى الأمريكيين في القتال داخل الشرق الأوسط الكبير ظل محدودًا للغاية بين نهاية الحرب العالمية الثانية و1980، بينما تركزت معظم خسائر القوات الأمريكية في المعارك منذ 1990 في هذه المنطقة.
ويختصر الباحث بروس ريدل المعضلة بقوله إن واشنطن اكتشفت أن الدخول إلى الشرق الأوسط سهل، لكن الخروج منه يبدو مستحيلًا.
وتستند إحدى العقبات الرئيسية أمام الانسحاب إلى نظرية «فراغ القوة»، التي تفترض أن تراجع الولايات المتحدة سيفتح المجال أمام الصين أو روسيا أو إيران لزيادة نفوذها. ويرى أصحاب هذا التصور أن واشنطن قد تضطر في النهاية إلى العودة عسكريًا إذا سمحت لخصومها بالسيطرة على موارد الطاقة وطرقها.
لكن نظرية فراغ القوة تظل إطارًا في العلاقات الدولية، وليست حقيقة علمية مثبتة. ومع ذلك، يكفي الإيمان بها لتقييد أي قرار سياسي جاد بالانسحاب.
ويعود الكاتب في النهاية إلى بن رودس، مستشار أوباما، الذي رأى أن تجنب التورط في الشرق الأوسط أسهل قولًا من فعله، خصوصًا بالنسبة إلى قوة عظمى لا تعترف بحدود نفوذها، وتخشى نخبها السياسية أي مظهر من مظاهر الضعف، بينما يميل مواطنوها إلى التدخل في الصراعات حول العالم.
وهنا تظهر معضلة يانوس بأوضح صورها: عين تنظر إلى المستقبل وتريد الانسحاب، وأخرى تظل أسيرة الماضي وتدفع نحو البقاء. وبعد عقود من الحروب والتحالفات والالتزامات، لا تبدو واشنطن أمام خيار بسيط بين الرحيل والبقاء، بل أمام شبكة من المصالح والمخاوف والالتزامات تجعل كل محاولة للانسحاب قادرة على إنتاج أزمة جديدة.
وبذلك، لا تنتهي قصة الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط بمجرد إعلان واشنطن رغبتها في المغادرة؛ فالتاريخ الذي صنعته الولايات المتحدة في المنطقة أصبح أحد العوامل التي تجعل مغادرتها أكثر تعقيدًا، بينما يدفع غياب البديل الأمني الشامل حلفاءها أنفسهم إلى المطالبة باستمرار حضورها. وتبقى المعضلة قائمة: تستطيع الولايات المتحدة أن تتطلع إلى آسيا، لكنها لا تزال تجد نفسها عالقة في الشرق الأوسط.
https://www.noonpost.com/en/385158/amp/

